لماذا يفضل أعضاء الجماعات الإسلامية الكنى والألقاب؟
بقلم د. هاني السباعي
hanisibu@hotmail.com
مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية
سألني أحد الصحفيين عن لماذا يتخذ قادة وأعضاء الجماعات الإسلامية الكنى والألقاب الإسلامية؟ في البداية أود أن أقول إن اتخاذ الكنى والألقاب ليس حكراً على الجماعات الإسلامية؛ وإنما كان المسلمون ولا يزالون يتخذون الكنى والألقاب وقد كان الأمر شائعاً في الماضي عندما كانت الشريعة الإسلامية في سدة الحكم ومهيمنة على كافة المناحي الحياتية للمسلمين لذلك لم يكن الأمر مستغرباً! أما بعد الانقلاب على الحكم الإسلامي وإقصائه ليحكم في زوايا ضيقة من حياة المسلمين في الزواج والطلاق والمواريث! وحتى هذه الزاوية يعتدى عليها الآن من خلال بقايا أفرخ العلمانية المدعومة غربياً بغية استئصال هوية أمتنا الإسلامية! هكذا في ظل غياب الإسلام من حياة المسلمين اتخذ المسلمون أسماء وألقاب وكنى مرتبطة بقوى الاستكبار العالمي فطفق المنهزمون يقلدون الغرب في أسمائهم وألقابهم وأسماء محلاتهم وشركاتهم وشوارعهم! وصار الحبل على الجرار! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل كما في صحيح البخاري: " لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ » . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ « فَمَنْ ". ولما كانت الجماعات الإسلامية حملت هم الإسلام وجعلته شغلها الشاغل وبذلت في ذلك فلذات الأكباد وتعرضت لحملات التشويه والتشتيت والاضهاد والسجن والاعتقالات والضرب في سويداء القلب قتلاً وغدراً ومحاكمات جائرة ما أنزل لها بها من سلطان! قامت بوضع لبنة في إحياء شعائر كثيرة ومصطلحات شرعية غيبها أعداء الإسلام وأذنابهم عن حياة المسلمين! حيث انبرت هذه الثلة المؤمنة بإعادة الاعتبار إلى هذه المصلطلحات والأسماء والكنى والألقاب لتذكير المسلمين بتاريخهم التليد!
عود على بدء!
يفضل أنصار الجماعات الإسلامية الألقاب والكنى التي يشتهرون بها ويستمدونها من عبق التاريخ، وقد يرجع ذلك إلى التخفي والكتمان والسرية نظراً لطبيعة المعركة الشرسة التي تدور رحاها بين أهل الحق وأهل الباطل! لكن يبقى السؤال لماذا يختارون هذه الألقاب وهذه الكنى بصفة خاصة دون غيرها؟ والإجابة على هذا السؤال على النحو التالي:
أولاً: الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان يطلق تلك الكنى والألقاب على بعض الصحابة كما فعل مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي دعاه بأبي تراب، والصحابي عبد الرحمن بن صخر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يداعبه بقوله (أبا هر) لأنه كان يحمل هرة بين يديه، كما في صحيح البخاري: عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا جُنُبٌ ، فَأَخَذَ بِيَدِى ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ « أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ » فَقُلْتُ لَهُ . فَقَالَ « سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ ». كما لقب بطل الإسلام فاتح الفتوح الصحابي خالد بن الوليد بسيف الله المسلول رضي الله عنه.
ثانياً: انطلاقاً من الحديث الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه (المرء مع من أحب)، فحب الجماعات الإسلامية للصحابة رضوان الله عليهم، وقادة الإسلام في التاريخ خاصة المشهورين بالبطولات والعلم عظيم فنجد من يتكنى بأبي حمزة تأسياً بعم الرسول صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ومنهم من يتكنى بأبي بكر تأسياً بخليفة المسلمين الأول الصحابي الجليل عبد الله بن عتيق (أبو بكر الصديق) رضي الله عنه، ومنهم من يتكنى بأبي حفص تأسياً بكنية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ، ومنهم من يختار كنية أبي مصعب تأسياً بالصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه، وبأبي صهيب تأسياً بالصحابي صهيب الرومي رضي الله عنه، وبأبي جندل حباً للصحابي أبي جندل بن سهل بن عمير رضي الله عنه، ومنهم من يتكني بأبي بصير نسبة وتأسياً بالصحابي أبي بصير (عتبة بن أسيد) زعيم المستضعفين عقب صلح الحديبية. ومنهم يتكنى بأبي قتادة نسبة للصحابي أبي قتادة الأنصاري ، وقد تكون الكنية أبا ذر نسبة للصحابي أبي ذر الغفاري، وقد تكون الكنية أبا أنس نسبة إلى الصحابيين أنس بن النضر وأنس بن مالك، أو يحب التكني بأبي دجانة نسبة إلى الصحابي سماك بن خرشة الذي كان يربط رأسه بعمامة الحمراء في المعارك.
ثالثاً: وأحياناً يطلقون على أنفسهم ألقاباً تأسياً بألقاب بعض الصحابة أو القادة أو يتسمون بأسماء بعض العلماء والسلاطين الصالحين فعلى سبيل المثال منهم من يلقب بالقعقاع نسبة إلى الصحابي القعقاع بن عمرو، ومنهم من يلقب بالصاعقة نسبة إلى أحد مشايخ البخاري (محمد بن عبد الرحيم) الذي كان مشهوراً بالحفظ والاتقان، وتأسياً بالسلطان العثماني بايزيد الملقب بالصاعقة. ومنهم يختار أن يدعى بصلاح الدين نسبة إلى السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، ومنهم من يلقب ببيبرس نسبة للسلطان المملوكي الظاهر بيبرس وهكذا.
رابعاً: لقد أطلق على بعض معسكرات الجماعات الإسلامية ألقاب وأسماء بعض الصحابة أو أسماء أبنائهم وأحياناً أسماء بعض المعارك التي انتصر فيها المسلمون، فمثلاً نجد معسكر بدر نسبة إلى غزوة بدر، ومعسكر القادسية، وحطين ومعسكر الفاروق، ومنهم يتكنى بابن مثل ابن تاشفين وابن تيمية وابن القيم، وابن الإسلام، وألقاب جهاد ومجاهد، وإسلام، واستشهاد، وصمصام، وأسد الإسلام، وسيف الدين، وناصر السنة، وعاشق الحور العين، صهيل الخيل، وصليل السيوف، ورهج السنابك، والمنصور، والمظفر، وأبو العباس نسبة إلى عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو سهل، وأبو سهيل، وأبو سلمة وكلها أسماء وكنى لصحابة كرام رضوان الله عليهم، ومنهم يكنى بأسماء أمهات المؤمنين ويتكنى باسم ابنته أيضاً كأبي مريم نسبة إلى أم المسيح عليهما السلام، أو بأبي عائشة نسبة إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه، أو بأبي حفصة نسبة لأم المؤمنين حفصة رضي الله عنها والأمثلة كثيرة جداً.
خامساًً: أمثلة من مشاهير قادة الحركات الإسلامية:
الشيخ أسامة بن لادن كنيته أبوعبد الله، لأن اسم عبد الله من أحب الأسماء الإسلامية كما في الحديث الصحيح في البخاري وأبي داود (أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن)، والدكتور أيمن الظواهري كان يكنى بأبي محمد، ويلقب بعبد المعز، ونور الدين تيمناً بالسلطان العادل نور الدين زنكي. وأبو عبيدة البنشيري واسمه الحقيقي علي أمين الرشيدي الذي قتل في بحيرة فكتوريا وكان القائد العام لتنظيم القاعدة تكنى بأبي عبيدة نسبة للصحابي أبي عبيدة بن الجراح أحد العشرة المبشرين بالجنة وقائد المسلمين في فتوح الشام وفلسطين رضي الله عنه. وأبو مصعب السوري (مصطفى عبد القادر ست مريم) تكنى بهذه الكنية نسبة للصحابي مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكذلك أبو مصعب الزرقاوي، وأبو مصعب عبد الودود قائد تنظيم قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي، وأبو حفص المصري (محمد عاطف أبو ستة) الذي قتل في قندهار عام 2001م، تأسياً بالصحابي عمر بن الخطاب، وأبو عمر البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية نسبة إلى الصحابي الفاروق عمر، وأبو أنس الشامي أحد علماء تنظيم القاعدة الذي قتل في العراق، تأسياً بالصحابي أنس بن مالك، وأبو حمزة المهاجر وزير الحرب في دولة العراق الإسلامية تأسياً بالصحابي حمزة بن عبد المطلب، وأبوالمنذر الليبي تأسياً بكنية الصحابي أبي بن كعب الأنصاري رضي الله عنه، وكذلك أبو حفص الموريتاني أحد علماء تنظيم القاعدة، وأبوالفرج المصري أحمد سلامة مبروك، أحد قادة تنظيم الجهاد نسبة للعلامة أبي الفرج بن الجوزي صاحب كتاب صفة الصفوة، وتلبيس إبليس وغيرهما، وأيضاً تيمناً بكلمة الفرج التي توحي بزوال الكرب، وأبو حازم مصطفى حمزة أمير مجلس شورى الجماعة الإسلامية المصرية بالخارج السابق، وأبو خالد وهي كنية الضابط عبد العزيز الجمل أحد قادة تنظيم الجهاد سابقاً، وأبو ياسر كنية رفاعي طه أمير مجلس شورى الجماعة الإسلامية بالخارج الأسبق، ومن أشهر الشخصيات في العصرالحديث الملازم أول خالد شوقي الإسلامبولي قاتل السادات كان يلقب بظافر.. ولا يزال المسلمون يفضلون اتخاذ الكنى والألقاب والأسماء التي لها علاقة مباشرة بتاريخ الإسلام وقادته الأبطال وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخيار، وكلما اقترب المسلمون من دينهم انتشرت هذه الألقاب والكنى في العالم الإسلامي.
مركز المقريزي للدراسات التاريخية
لندن في
7 من جمادى الثانية لسنة 1429هـ
الموافق 11 يونيو 2008م
كتبها د. هاني السباعي في 03:59 مساءً ::
الاسم: د. هاني السباعي
